القاضي التنوخي

32

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فدخل ، فأبطأ ساعة ، ثم خرج ، فأدخلني من دار إلى أخرى ، حتى انتهيت إلى مرقده ، وهو على سرير وحواليه نحو خمسين فراشا لغلمان له ، كأنّهم حفظة ، وقد قاموا ، وبعض الفرش تنقل ، وهو جالس في فراشه ، مرتاعا ، قد ظنّ أنّ حادثة حدثت ، أو أنّي جئته برسالة الخليفة ، وهو متوقّع لما أورده . فرفعني ، وقال : ما الذي جاء بك في هذا الوقت ؟ فقلت : خير ، ما حدثت حادثة ، ولا معي رسالة ، وما جئت إلَّا في أمر يخصّ الوزير ويخصّني ، لم تصلح مفاوضته فيه إلَّا على خلوة شديدة . فسكن ، ثم قال لمن حوله : انصرفوا ، فمضوا . وقال : هات . فقلت : أيّها الوزير إنّك قد قصدتني أقبح قصد ، وشرعت في هلاكي ، وإزالة نعمتي ، وفي إزالتها خروج نفسي ، وليس من النعمة والنفس عوض ، ولعمري انّي قد أسأت في خدمتك ، وقد كان في بعض هذا التقويم بلاغ [ 12 ب ] عندي ، وقد جهدت في استصلاحك بكلّ ما قدرت عليه ، ووسّطت [ 11 ط ] بيني وبينك فلانا ، وبذلت كذا ، وقلت « 1 » كذا ، فأبيت إلَّا الإقامة على أذاي ، وليس شيء أضعف من السنّور ، وإذا عاثت في دكَّان بقّال ، فظفر بها ، ولزّها إلى الزاوية ليخنقها ، وثبت عليه ، فخدشت وجهه وبدنه ، ومزّقت ثيابه ، وطلبت الحياة بكلّ ما يمكنها ، وقد وجدت نفسي معك في مثل هذه الصورة ، ولست أضعف بطشا من السنّور ، وقد جعلت هذا الكلام عذرا بيننا ، فإن نزلت تحت حكمي في الصلح ، وإلَّا فعليّ وعليّ ، وحلفت له بأيمان غليظة ، لأقصدنّ الخليفة الساعة ،

--> « 1 » في ب : وقبلت .